مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
250
موسوعه أصول الفقه المقارن
الثاني : أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، كقوله : ( رأيت الناس إلَّازيداً ) ، ولا تقول : ( رأيت الناس إلَّا حماراً ) « 1 » ، وأجازه الحنفية والمالكية « 2 » ، بل بعض الشافعية « 3 » والشهيد الثاني من الإمامية « 4 » . وذكر الفقهاء اختلاف الشافعي وأبي حنيفة في الرجل إذا قال : ( لفلان عليَّ ألف درهم إلَّاثوباً ) ، ثمَّ ذكر ثوباً لايستغرق قيمة الألف المذكورة ، وذكر وجهاً معقولًا في استثناء قيمة الثوب من الألف ، وجعل ذكر الثوب عبارة عن قيمته ، فهذا مقبول عند الشافعي ، ومردود عند أبي حنيفة . وسوَّغ أبو حنيفة استثناء المكيل بعضه من بعض وإن اختلفت الأجناس ، ردّاً إلى التأويل الذي ذكره الشافعي في الثوب ، وكذلك جوَّز استثناء المكيل من الموزون ، والموزون من المكيل « 5 » . القائلون بصحّة الاستثناء من غير جنس المستثنى احتجّوا بالمنقول والمعقول : أمَّا المنقول ، فما ورد من آيات تستثني إبليس من الملائكة « 6 » ، وكذلك الآية الكريمة : « لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً » « 7 » . وبعض أبيات الشعر مثل قول الشاعر : وبلدةٍ ليس بها أنيسُ * إلَّا اليعافيرُ وإلَّا العيسُ وكذا كلام العرب مثل : ( ما بالدار أحد إلَّاالوتد ) . وأمّا المعقول ، فقد استدلّوا بأنّ الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه ، فصحَّ ، كاستثناء الدراهم من الدنانير وبالعكس « 8 » . والنافون للصحّة أوّلوا الأمثلة المتقدّم ذكرها ، وقدّروا فيها ما يجعل المستثنى والمستثنى منه من جنس واحد . وردّوا ما ذكر من دليل المعقول : بأنَّ دليلهم لا إشعار له بصحّة الاستثناء من غير جنس ، واستثناء الدراهم من الدنانير وبالعكس ممَّا وقع النزاع فيه « 9 » . الثالث : أن لا يكون مستغرقاً ، فلو قال : ( لفلان عليَّ عشرة إلَّاعشرة ) بطل الاستثناء ، ولزمته العشرة ؛ لأنَّه رفع للإقرار ، والإقرار لا يجوز رفعه « 10 » . والاستثناء إذا كان مستغرقاً باطلٌ بالإجماع « 11 » . وفصَّل الحنفية في المستغرق : فإن كان بلفظ الصدر ، نحو : ( لفلان عليَّ عشرةٌ إلّاعشرة ) ، أو بما يساويه في المفهوم ، نحو : ( عبيدي أحرار إلّامماليكى ) ، فهو باطل . وإن كان بغير ذلك ، نحو : ( عبيدي أحرار إلّاهولاء ) وأشار إلى عبيده الموجودين ، لم يمتنع « 12 » .
--> ( 1 ) . المستصفى 2 : 75 . ( 2 ) . انظر : المسوّدة : 139 . ( 3 ) . انظر : الواضح في أصول الفقه 4 ق 1 : 482 ، روضة الناظر : 132 ، البلبل في أصول الفقه : 67 ، ابن قدامة وآثاره الأصولية 2 : 253 . ( 4 ) . انظر : تمهيد القواعد : 196 . ( 5 ) . البرهان في أصول الفقه 1 : 144 ، وانظر : المنخول : 159 . ( 6 ) . البقرة : 34 ، الأعراف : 11 ، الحجر : 30 - 31 ، الإسراء : 61 ، الكهف : 50 ، طه : 116 ، ص : 73 - 74 . ( 7 ) . الواقعة : 25 - 26 . ( 8 ) . انظر : روضة الناظر : 132 - 133 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 498 - 499 ، نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 2 : 243 - 245 . ( 9 ) . الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 499 - 501 ، نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 2 : 245 - 248 . ( 10 ) . المستصفى 2 : 76 ، نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 2 : 248 ، أصولالفقه ( الخضري بك ) : 178 . ( 11 ) . انظر : المحصول 1 : 410 ، الكاشف عن المحصول 4 : 445 ، تمهيد القواعد : 200 ، العقد المنظوم : 606 ، أصول الفقه ( ابن مفلح ) 3 : 912 ، البحر المحيط 3 : 287 ، القواعد والفوائد الأصولية : 327 ، إرشاد الفحول 1 : 489 - 490 . ( 12 ) . سلّم الوصول ( المطيعي ) 2 : 411 ، وانظر : التوضيح شرح التنقيح 2 : 86 - 87 ، أصول الفقه ( الخضري بك ) : 178 .